الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
217
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإنّما جيء بالقيد في قوله : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً لأنّ قوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً مراد به ادّعاء الحصر أو النهي كما علمت ، ولو كان الخبر على حقيقته لاستغنى عن القيد لانحصار قتل المؤمن بمقتضاه في قتل الخطأ ، فيستغنى عن تقييده به . روى الطبري ، والواحدي ، في سبب نزول هذه الآية : أنّ عيّاشا بن أبي ربيعة المخزومي كان قد أسلم وهاجر إلى المدينة قبل هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان أخا أبي جهل لأمّه فخرج أبو جهل وأخوه الحارث بن هشام والحارث بن زيد بن أبي أنيسة في طلبه ، فأتوه بالمدينة وقالوا له : إنّ أمّك أقسمت أن لا يظلّها بيت حتّى تراك ، فارجع معنا حتّى تنظر إليك ثم ارجع ، وأعطوه موثقا من اللّه أن لا يهجوه ، ولا يحولوا بينه وبين دينه ، فخرج معهم فلمّا جاوزوا المدينة أوثقوه ، ودخلوا به مكة ، وقالوا له « لا نحلّك من وثاقك حتّى تكفر بالذي آمنت به » . وكان الحارث بن زيد يجلده ويعذّبه ، فقال عيّاش للحارث « واللّه لا ألقاك خاليا إلّا قتلتك » فبقي بمكة حتّى خرج يوم الفتح إلى المدينة فلقي الحارث بن زيد بقباء ، وكان الحارث قد أسلم ولم يعلم عياش بإسلامه ، فضربه عياش فقتله ، ولما أعلم بأنّه مسلم رجع عيّاش إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره بالذي صنع فنزلت : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً فتكون هذه الآية قد نزلت بعد فتح مكة . وفي ابن عطية : قيل نزلت في اليمان ، والد حذيفة بن اليمان ، حين قتله المسلمون يوم أحد خطأ . وفي رواية للطبري : أنّها نزلت في قضية أبي الدرداء حين كان في سريّة ، فعدل إلى شعب فوجد رجلا في غنم له ، فحمل عليه أبو الدرداء بالسيف ، فقال الرجل « لا إله إلّا اللّه » فضربه فقتله وجاء بغنمه إلى السرية ، ثم وجد في نفسه شيئا فأتى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكر ذلك له ، فنزلت الآية . وقوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ الفاء رابطة لجواب الشرط ، و ( تحرير ) مرفوع على الخبرية لمبتدأ محذوف من جملة الجواب : لظهور أنّ المعنى : فحكمه أو فشأنه تحرير رقبة كقوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * [ يوسف : 18 ] . والتحرير تفعيل من الحريّة ، أي جعل الرقبة حرّة . والرقبة أطلقت على الذات من إطلاق البعض على الكلّ ، كما يقولون ، الجزية على الرؤوس على كل رأس أربعة دنانير . ومن أسرار الشريعة الإسلامية حرصها على تعميم الحرية في الإسلام بكيفية منتظمة ،